الأمير أسامة بن منقذ
37
لباب الآداب
من أمور الرعية على حقائقها ، عاش الوضيع ، وحذر الرفيع ، وأمسك الظّلوم ، وأمن المظلوم . قال كسرى : إني ضبطت ملكي بأني لم أهزل في أمر ولا نهي قط ؛ وأعطيت للغناء لا للرضي « 1 » ، وعاقبت للأدب لا للغضب ، وصدقتهم الوعد والوعيد ، وعممت بالعدل والإنصاف ، وكففت يدي عن دمائهم وأموالهم إلّا بحقها . وغضب كسرى على رجل من أصحابه فأمر بحبسه وقطع ما كان جاريا عليه ، فقال له بزرجمهر : إن الملوك تؤدّب بالهجران ، ولا تعاقب بالحرمان . لما قدم محمد بن عبد اللّه بن خالد أذربيجان - أميرا عليها - جاء قوم إلى كاتبه ، فقالوا له : هاهنا أموال قد أخفيت ، وحقوق قد بطلت . فكتب الكاتب بذلك رقعة إلى الأمير ، فأجابه الأمير في ظهرها : أجر الناس على دواوينهم ، وما صحّ من قوانينهم ، واعلم أني ما وردت الناحية لإحياء الرسوم الرديّة ، والاستماع من سقّاط « 2 » الرعية ، فلا تركن إلى الفضول ، وتدع الذي توجبه العقول ، فإنما هي أيام تمضي ، ومدة تنقضي ؛ فإما ذكر جميل ، وإما خزي طويل . وإياك وقول جرير : وكنت إذا نزلت بدار قوم * رحلت بخزية وتركت عارا « 3 » واعمل على أن يكون الدّعاء لنا لا علينا . وقّع بعض العمال إلى كسرى قباذ في أنطاكية : للملك ، جماعة قد فسدت نيّاتهم ، وخبثت ضمائرهم ، وقد همّوا بما لم يفعلوا ، وهم غير مأمونين على المملكة ؛
--> ( 1 ) في عيون الأخبار ( 1 : 10 ) « وأثبت على العناء لا للهوى » ( 2 ) جمع ساقط ، وهو اللئيم في حسبه ونفسه . ( 3 ) في الأصل « عابا » وهو خطأ في الرواية ، لان القصيدة رائية لجرير ، وهي في ديوانه المطبوع بمصر ( 1 : 127 - 129 ) وفي النقائض المطبوع في أوروبا ( رقم 43 ص 249 - 255 ) والرواية فيها « حللت » بدل « نزلت » .